الرئيسية لاجئ سوري يكتب مقالاً مثيراً عن دعم اللاجئين وإهمال المشردين في برلين

لاجئ سوري يكتب مقالاً مثيراً عن دعم اللاجئين وإهمال المشردين في برلين

كتب اللاجئ السوري “بلال الدوماني” المقيم في برلين مقالة باللغة الألمانية متسائلاً فيها لماذا يتلقى اللاجئون معاملة أفضل من المشردين في ألمانيا.

تم نشر المقالة في صحيفة “تاغس شبيغل”، وقام البيت السوري بترجمتها للعربية.

أحد المشاهد اليومية التي أراها في كثير من الأحيان ببرلين، المشردون ينامون في ظروف قاسية وسط برد قارس، بصفتي لاجئ يؤلمني كثيراً هذا المشهد لأن برلين قدمت لي حياة مستقرة، ولكنها لم تقدم هذا الاستقرار للمشردين في العاصمة الألمانية.

لقد كنت دائماً أسأل نفسي لماذا تتم رعاية اللاجئين بشكل أفضل من هؤلاء المشردين، اللاجئون يتلقون المواد الغذائية والملابس والأسرّة، ولكن لماذا لا يحصل المشردون على هذا أيضاً..!! إن هذا يؤثر بي لأن برلين لا تساعد هؤلاء الناس،
هل يعود السبب إلى أن المشردين هم أكثر من اللاجئين؟؟ أم يوجد سبب آخر؟ ؟ لماذا ينام اللاجئون في أماكن دافئة في حين ينام المشردون في البرد؟ المدن الكبرى مثل شيكاغو في أمريكا ولندن في بريطانيا وباريس في فرنسا لديها أيضاً الكثير من المشردين، ولكن من وجهة نظري لدى ألمانيا الكثير من الخبرات من حيث تأمين سلامة الناس والعناية بهم، ولكن لماذا هنالك الكثير من الأشخاص بلا مأوى.

قمت بالبحث على شبكة الإنترنت عن الأرقام الرسمية لأعداد المشردين ووجدت بعض التقارير، على سبيل المثال: الحكومة الاتحادية وحكومة ولاية برلين تتحصن خلف “العبء المالي والإداري الكبير” لجمع البيانات حول عددهم.
لقد أصابتني الدهشة لأنني لم أجد أرقاماً أو إحصائيات ثابتة عن أعدادهم، بل هنالك فقط أرقام تقديرية، والعجيب أن اللاجئين في ألمانيا منذ عام 1955 وحتى اليوم مسجلون في قوائم المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين لكن في المقابل لايوجد في بلد مثل ألمانيا سجل دقيق عن المشردين لديها..!! الإحصاءات هي الأساس دائماً في حل الأزمات.

قرأت أيضاً أن أرقام المشردين في برلين بين عام 2013 وعام 2015 ينبغي أن تكون بنحو 2000 إلى 15000 شخص غالبيتهم من الرجال لكن يبدو أن النساء قد وجدن حلولاً أخرى في حياتهم.

أعداد المشردين تخبرنا أن الزيادة في التشرد كبيرة دائماً ولكن هذه الأزمة ليست أكبر من أزمة اللجوء العام الماضي حيث وصل أكثر من 80000 لاجئ منذ ذلك الحين إلى برلين، ومع ذلك لا ترى اليوم أي أحد منهم نائماً في الشارع، فلماذا نرى في برلين كثير من المشردين ينامون في الحدائق و في محطات مترو الأنفاق وتحت الجسور.

هناك أناس لا يملكون ملجأ للنوم بسبب عمليات الإخلاء و بسبب صعوبات عدم القدرة على دفع الإيجار أو بسبب المشاكل السلوكية للمستأجرين.

كثير من الناس عملوا فترة طويلة في ألمانيا، والآن وجدوا أنفسهم في الشارع مرة أخرى حسناً، ربما بعض منهم يتوق للعيش في الشارع لكن السبب الأكثر شيوعاً هو الفقر وندرة السكن، لهذا يتقاسم المشردون نفس المعاناة التي يعانيها اللاجئون قبل وصولهم إلى ألمانيا.

عندما يصل اللاجئون إلى ألمانيا يصلون من دون أي شيء و لكنهم بعد ذلك يجدون العديد من الأماكن للنوم.
في سوريا خسرت كل شيء، لكنني وجدت الاستقرار في ألمانيا، قبل عامين من الآن بدأت حياة جديدة، منذ اليوم الأول لي في ألمانيا عشت في المخيم ثم انتقلت إلى شقة، ولكني كنت أيضاً بلا مأوى مثل هؤلاء المشردين، بغض النظر عن أسباب تشردهم.

في الواقع ،أشعر أن الطريقة التي تم التعامل معي أفضل من هؤلاء المشردين، ضميري يخبرني أن هذا ظلم بحقهم.
التقيت المرة السابقة في محطة مترو ميرينغدام بأحد المشردين، كانت له لحية طويلة و شارب طويل وقام بلف شعره الطويل حول قبعته، كان يلبس ثياب ممزقة و بدا وجهه شاحباً جداً، مر من جانبي ثم سألته : “هل ستقوم بالتصويت في الانتخابات المحلية برلين”، فأجاب بسرعة: “لا، كل السياسيين كاذبون، إنهم يريدون أموالنا فقط”، لم أستطع أن أقول كلمة واحدة لأن الرجل قال لي مرة أخرى: “إياك أن تقوم بالتصويت، إنهم كاذبون “، وعندما سألته عن عمره ومنذ متى يعيش في الشارع، أجاب: “حسناً، أنا لا أعرف “، ثم ذهبت وتساءلت : لماذا قال الرجل ذلك؟ ربما كان يشعر أن أحداً لا يهتم به.

بعد ذلك في وسط المدينة حوالي الساعة 23:00 ليلاً رأيت رجلاً نائماً على أرض إسمنتية، كان يتحدث إلى نفسه، كنت أرغب في الاستماع إلى ما يقوله، وتحدث كما لو كان يتحدث إلى شخص يقف أمامه، قلت له: “مساء الخير، هل تتكلم اللغة الألمانية؟”، ورفع رأسه ورفع شعره الطويل عن وجهه ولكنه لم يجبني وتصرف كما لو أنه لم يراني ثم عاود الحديث مع نفسه مرة أخرى، لم يكن هذا المشرد ألمانيا.

سألته مرة أخرى إذا كان يتكلم الألمانية ولكنه كان في عالم آخر، كان الطقس بارداً جداً، ولم يعد الرجل يعرف الناس، بعد ذلك تركته وذهبت إلى بيتي حيث أنام في سريري الدافئ.

ولكن السؤال هنا كيف يمكن للمشردين أن يشعروا بالراحة عندما يرون أن اللاجئين يحصلون على كل شيء في حين أنهم (المشردون) لا يحصلون على أي شيء..!! في محطة قطار حديقة الحيوان سألت شخصاً من برلين يعيش في الشارع منذ عامين تقريباً، كان يبدو قوي البنية ولكن الفقر كان عليه واضحاً، كان في يده قطعة من الخبز، اقتربت منه وسألته لماذا ينتظر فأجاب: إنه ينتظر الطعام من مقدمي الطعام في محطة القطار ولكن الطعام ليس بالقدر الكافي، فسألته: “لماذا تحصل على القليل من الطعام و تنام في الشارع في حين يملك اللاجئون العديد من الأسرة الدافئة المتاحة”، تطلع في وجهي وقال بهدوء : “إنهم أناس مثلنا، إنهم قادمون من الحرب، وهم بحاجة إلى المساعدة مثلما نحن بحاجة لها”، ثم قلت له “نعم هذا صحيح ولكنك أيضاً إنسان مثلهم فلماذا برأيك هذا الاختلاف في المعاملة بين اللاجئين والمشردين”، فأجاب: “لعل هذا يرجع إلى السياسة فلربما لدى السلطات المزيد من المال للاجئين أكثر من المال للمشردين”، قمت بسؤاله مرة أخرى: “ولكن ما هو شعورك تجاه اللاجئين”، فقال: أنا “ليس لدي أي شعور”، طرحت هذا السؤال مراراً وتكراراً على كثير من المشردين ولكن لم يقل واحد منهم أي شيء ضد اللاجئين، لقد فوجئت حقاً.

في سوريا لا يوجد مشردون ولكن يوجد فقراء فقط، الفقراء على أي حال لا ينامون في الشارع فهم لديهم عائلة ينامون عندها أو هم متسولون، بعض المتسولين يملكون في بعض الأحيان مالاً أكثر من الأشخاص العاديين، إن مناظر المشردين بالنسبة لنا كسورين أمر جديد علينا.

أخيراً، أعيش في برلين منذ عامين ولم أجد كلباً ينام في الشارع على عكس المشردين، أعتقد أن برلين ستبدو أفضل من دون وجود هؤلاء المشردين الحزينين.

شارك المقال على مواقع التواصل الاجتماعي:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.